في صيف عام 2019، وفي أحد مقاهي مارسيليا، دار نقاش عابر مع صديق حول السياسة الدولية. حينها، عبّرتُ بشكل صريح عن تحفظي تجاه فكرة “نشر الديمقراطية” و“تصدير القيم الليبرالية”. لم يكن الرد عادياً؛ كان مزيجاً من الدهشة وعدم التصديق. بالنسبة له، كما بالنسبة لكثيرين، كانت هذه القيم تمثل شيئاً بديهياً: الخير في صورته الحديثة. لم يكن من السهل، في تلك اللحظة، تفسير الشك في فكرة يُنظر إليها بوصفها عالمية وعادلة بطبيعتها.
لم يكن الخلاف حول أهمية الحقوق أو الحريات، بل حول كيفية استخدامها في الخطاب السياسي الدولي. كيف يمكن إقناع شخص يرى في الديمقراطية أفقاً أخلاقياً، بأنها قد تتحول—في سياقات معينة—إلى أداة تبرير للهيمنة؟
مرت السنوات، وتراكمت الأحداث. ومع حرب غزة عام 2023، لم يعد هذا السؤال نظرياً كما كان. بالنسبة لكثيرين في الغرب، لم يعد بالإمكان تجاهل التناقض بين الخطاب والممارسة، ولا الاستمرار في التسليم برواية واحدة دون مساءلة.
وراء الشعارات الكبرى مثل “الدفاع عن الديمقراطية” و“حماية حقوق الإنسان”، تبرز حقيقة أكثر تعقيداً: أن هذه القيم، رغم أهميتها، تُوظَّف أحياناً ضمن استراتيجيات قوة. هذه الفكرة ليست جديدة، لكنها اكتسبت زخماً متجدداً في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع عودة النقاش حول طبيعة النظام الدولي.
في هذا السياق، يقدّم المؤرخ سمير ساول قراءة نقدية في كتابه “الإمبريالية” (2025)، حيث يرى أن الإمبريالية لم تختفِ، بل أعادت تشكيل أدواتها. لم تعد تعتمد فقط على الاحتلال المباشر أو السيطرة العسكرية، بل باتت تستخدم خطاباً أخلاقياً يمنحها شرعية أوسع. الديمقراطية، في هذا الإطار، تتحول من نظام سياسي إلى مرجعية شبه مطلقة، يُقاس بها “الشرعي” و“غير الشرعي” في العالم.
هذا التحول يخلق، وفق هذا الطرح، نوعاً من “العقيدة السياسية” التي يصعب التشكيك فيها. فالديمقراطية الغربية تُقدَّم باعتبارها النموذج الوحيد الممكن، وحقوق الإنسان كمعيار عالمي—لكن تطبيق هذا المعيار يظل مرتبطاً بحسابات المصالح. أما التدخلات العسكرية، فتُمنح غطاءً أخلاقياً عندما تُقدَّم بوصفها دفاعاً عن هذه القيم، حتى عندما تقود إلى نتائج كارثية.
تظهر هذه الازدواجية بشكل لافت عند مقارنة أزمات دولية مختلفة. في حرب العراق 2003، رُوّج للتدخل العسكري باعتباره خطوة نحو “تحرير” شعب وإرساء الديمقراطية، رغم ما ترتب عليه من فوضى طويلة الأمد. وفي حرب أوكرانيا 2022، جرى حشد دعم واسع—سياسياً وإعلامياً—ضمن خطاب واضح حول الدفاع عن السيادة والديمقراطية.
لكن في حرب غزة 2023، بدت الصورة مختلفة. فقد طغت رواية “الدفاع عن النفس” على حساب نقاش أوسع حول القانون الدولي وحقوق المدنيين، رغم حجم الدمار والخسائر البشرية. هذا التباين في الخطاب لم يمر دون ملاحظة، بل أثار نقاشاً متزايداً داخل المجتمعات الغربية نفسها.
هنا تحديداً، بدأت تظهر “شقوق” في ما يمكن وصفه بـ“الإجماع الليبرالي”. فالمظاهرات، وحملات المقاطعة، والانتقادات الصادرة عن أكاديميين وإعلاميين، تعكس تحولاً تدريجياً في الوعي العام. لم يعد من السهل القبول برواية واحدة، ولا تجاهل التناقضات بين المبادئ المعلنة والتطبيق العملي.
في هذا السياق، برزت أيضاً تحركات قانونية غير مسبوقة، من بينها لجوء دول مثل جنوب أفريقيا إلى المحاكم الدولية لمساءلة إسرائيل، في خطوة تعكس محاولة لإعادة تفعيل القانون الدولي خارج الاصطفافات التقليدية. ورغم الضغوط السياسية التي تواجه مثل هذه المبادرات، فإنها تشير إلى تحوّل أوسع نحو عالم أقل خضوعاً لهيمنة خطاب واحد.
بالتوازي، تتعزز الدعوات إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، لا يحتكر فيه طرف واحد تعريف القيم أو فرضها. هذه الدعوات لا تعني بالضرورة رفض الديمقراطية، بل التشكيك في احتكار تفسيرها، وفي استخدامها كأداة سياسية في صراعات القوة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر برفض القيم الليبرالية بقدر ما يتعلق بفصلها عن توظيفاتها الجيوسياسية. فالديمقراطية، حين تُستخدم كغطاء لسياسات الهيمنة، تفقد جزءاً من معناها الأخلاقي. أما حين تُفهم كحق للشعوب في تقرير مصيرها، بعيداً عن الإملاءات الخارجية، فإنها تستعيد جوهرها الحقيقي.
ربما لم يكن من السهل، في ذلك المساء الصيفي في مارسيليا، إيصال هذه الفكرة. لكن اليوم، ومع تراكم التجارب، لم يعد السؤال هامشياً: هل الديمقراطية غاية بحد ذاتها، أم أداة تُستخدم ضمن موازين القوى؟
الإجابة عن هذا السؤال لم تعد ترفاً فكرياً، بل شرطاً ضرورياً لفهم العالم كما هو—لا كما يُراد له ان يبدو.
