حين تقول الدولة السورية إنها تريد إنهاء ملف المخيمات، لا يملك السوريون رفاهية الاعتراض على الهدف. المخيم ليس حياة، ولا يجوز أن يتحول إلى وطن دائم. خيمةٌ باردة في الشتاء، حارّة في الصيف، ومدرسةٌ مؤقتة، وعيادةٌ ناقصة، وماءٌ شحيح، وفرصُ عملٍ تكاد لا تكفي لستر يوم واحد… هذه ليست “إقامة” بل حالة طوارئ طال أمدها حتى أصبحت واقعًا قاسيًا يلتهم كرامة الناس ويستنزف قدرة المؤسسات.
لكن الخطر لا يكمن في الهدف، بل في الطريقة. لأن تحويل “إنهاء المخيمات” إلى قرار إداري سريع—دون بديل سكني واضح—لا ينهي الأزمة. هو فقط ينقلها من أطراف المدن إلى قلبها. بدل مخيمات تُدار (ولو بصعوبة)، سنحصل على عشوائيات بلا إدارة. بدل مساعدات قابلة للتنسيق، سنحصل على فقر متشظٍ داخل الأحياء. وبدل مشكلة كبيرة يمكن رؤيتها، سنحصل على مشاكل صغيرة منتشرة لا يمكن السيطرة عليها.
الناس في المخيمات لا تقول: “نريد البقاء”. الناس تقول ببساطة: لا نريد أن نخرج إلى اللاشيء. وهذه ليست رفاهية. لأن الخروج بلا بديل يعني ثلاث نتائج شبه مؤكدة: انفجار أسعار الإيجارات، توسع السكن غير النظامي، واحتكاكات اجتماعية واقتصادية وأمنية داخل المدن والبلدات. الدولة التي تريد أن تُثبت حضورها وقدرتها في مرحلة انتقالية حساسة، ستجد نفسها فجأة أمام نار جديدة: خدمات تُستنزف، بلديات عاجزة، مدارس مزدحمة، سوق عمل غير منظم، وصراع يومي على الموارد المحدودة.
لذلك، إن كان هناك درسٌ واحد من السنوات الماضية فهو هذا: إغلاق المخيمات ليس “إغلاق ملف”، بل “فتح ملف أكبر” إن لم تُصمَّم المرحلة الانتقالية بعقل. الدولة تُريد حلاً سريعًا لأنها ناشئة وتبحث عن استقرار وشرعية أداء. والأهالي يريدون سكنًا بديلاً لأنهم أنهكتهم الخيمة والانتظار. وبين الطرفين معضلة التمويل والزمن: الدولة لا تملك القدرة الآن على بناء أحياء إسمنتية كافية خلال أشهر، والناس لا تملك القدرة على دفع إيجارات مدنٍ استنزفتها الأزمة وغلاء المعيشة. إذن ما الحل؟
الحل الواقعي ليس أن نختار بين خيارين مستحيلين: • خيمة للأبد، أو • شقة غدًا.
الحل الواقعي هو خيار ثالث: سكنٌ انتقاليٌ معياري، يمنح الدولة وقتًا ويمنح الناس حدًا أدنى من الأمان والكرامة. هنا تأتي فكرة “الحل الوسط” التي أراها قابلة للتطبيق: الاستفادة من تجربة تركيا خلال السنوات الماضية في بناء وإدارة مخيمات حديثة ووحدات سكنية سريعة التركيب (وحدات جاهزة، قابلة للفك والنقل، أو مسبقة الصنع). السؤال ليس سياسيًا بقدر ما هو إداري وإنساني: لماذا لا تستفيد سوريا من نموذج مجرّب في إدارة الطوارئ السكنية، لنؤمّن جسرًا مرحليًا ريثما تنضج حلول الإسكان الدائم؟
وأكون واضحًا: أنا لا أقترح استيراد “مخيمات” لتصبح قدرًا جديدًا. أقترح برنامجًا انتقالياً محدد المدة، محكومًا بقواعد تمنع تحوّله إلى واقع دائم. ويمكن تنفيذ ذلك بطريقتين أو بمزيج منهما: 1. استيراد وحدات سكنية جاهزة قابلة للفك والنقل لتأمين حل سريع في المناطق الأكثر ضغطًا. 2. نقل الخبرة والتصميم والمعايير وتصنيع نسبة كبيرة محليًا داخل سوريا. وهذا الخيار ليس فقط أقل كلفة على المدى المتوسط، بل يخلق فرص عمل ويحرّك قطاعًا إنتاجيًا مرتبطًا بالتركيب والنجارة والكهرباء والتمديدات والنقل.
لكن أي مقترح يبقى كلامًا إن لم يتحول إلى خطة عملية. ولهذا أقترح ثلاث خطوات تحول “الفكرة” إلى “سياسة عامة” قابلة للتنفيذ:
أولًا: تصنيف المخيمات بدل قرار واحد للجميع. المخيمات ليست متشابهة. هناك مخيمات يمكن تفكيكها تدريجيًا لأن سكانها أقرب للاندماج في مناطقهم أو لديهم موارد وشبكات دعم. وهناك مخيمات لا يمكن تفكيكها بهذه البساطة لأن مناطق العودة مدمرة أو غير آمنة، أو لأن العائلات لا تملك بيتًا أصلًا. المطلوب خريطة وطنية واقعية وتصنيف واضح (أ/ب/ج): • (أ) مخيمات تُغلق تدريجيًا مع دعم إيجار ومساعدات انتقالية. • (ب) مخيمات تُحوّل إلى “سكن انتقالي معياري” ضمن مواقع مخططة وخدمات أساسية. • (ج) حالات قصوى تحتاج حماية وخدمات خاصة وخطة أطول أمدًا.
ثانيًا: مشروعان تجريبيان قبل التعميم. بدل فتح ملف ضخم على مستوى البلاد ثم الوقوع في ارتباك التنفيذ، تبدأ الدولة بموقعين تجريبيين: واحد في منطقة كثافة مخيمات عالية، وآخر في منطقة أكثر استقرارًا. يتم قياس الكلفة، واختبار آليات الاستحقاق، وإدارة الخدمات، وحوكمة الموقع، ثم التوسّع وفق نتائج معلنة. السياسة الذكية لا تبدأ بالشعار، بل بـ “اختبار واقعي” يقلل الأخطاء ويزيد القبول المجتمعي.
ثالثًا: شراكة ثلاثية شفافة: الدولة + تركيا + المانحون/المنظمات. الدولة وحدها لا تستطيع تمويل هذا الانتقال بالكامل، وتركيا وحدها لا يمكن أن تتحمل عبئه، والمنظمات وحدها لا تنجح دون إطار سيادي واضح. الشراكة تعني توزيع أدوار صريح: • الدولة: أراضٍ مناسبة، إطار قانوني، إدارة، شفافية، وربط بخطة إسكان دائمة. • تركيا: خبرة تشغيل، توريد أو تدريب، دعم تصنيع أو معايير، وفق اتفاقات واضحة. • المانحون والمنظمات: تمويل جزئي، خدمات أساسية، مراقبة معايير، وتقييم دوري.
سيعترض البعض. وهذا طبيعي. لكن الاعتراضات يمكن الإجابة عنها بعقل:
هل يمسّ هذا السيادة؟ لا، إذا كان القرار والإدارة على الأرض سورية وبإطار قانوني سوري. الاستفادة من خبرة أو نموذج لا تعني التبعية. هل هو مكلف؟ نعم، لكنه أقل كلفة من انفجار العشوائيات والاحتكاكات داخل المدن، وأقل كلفة من ترك الأزمة تتضخم ثم دفع ثمنها أمنًا وخدماتٍ واستقرارًا. هل سيصبح مؤبدًا؟ يصبح مؤبدًا فقط إذا غابت الحوكمة. لذلك لا بد من “قفل أمان”: مدة محددة (24–36 شهرًا)، وتجديد مشروط بخطة إسكان دائمة، وتقارير شفافة للعلن. هل يشجّع على عدم العودة؟ لا. العودة لا يصنعها هدم الخيمة. العودة تصنعها شروط الأمن والسكن والخدمات. السكن الانتقالي يمنع السقوط إلى الأسوأ ريثما تتوفر شروط العودة أو الاستقرار القانوني.
الخلاصة بسيطة: المخيمات لا تُحل بالقرار وحده، بل بخطة انتقال. الدولة التي تريد إنهاء الملف بكرامة، عليها أن تعترف بأن الإسكان الدائم يحتاج وقتًا، وأن الناس تحتاج جسرًا يحميها من التشرد ويمنع انهيار الخدمات والاقتصاد المحلي. ما بين “إغلاق المخيمات” و”السكن البديل النهائي” توجد مساحة عملية يمكن أن تنقذ الجميع: سكنٌ انتقاليٌ معياريٌ محترم، محدد المدة، خاضع لحوكمة شفافة، ومربوط بخطة إسكان حقيقية.
إن أردنا دولة قوية فعلًا، فلنثبت قوتها في أصعب امتحان: أن تُنهي المخيمات… دون أن تُعيد إنتاجها داخل المدن.

