تشهد سوريا اليوم منعطفاً تاريخياً في مسارها الاقتصادي يتجاوز مجرد إعادة الإعمار المادي، ليشمل إعادة هيكلة النموذج الاقتصادي القائم. بعد عقود من هيمنة الدولة على الموارد وسنوات من اقتصاد الحرب الذي اعتمد على الميليشيات والتهريب، تتجه البلاد نحو استراتيجية جديدة تقوم على مثلث الانفتاح والإصلاح والشراكة.
ويؤكد أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن الخطاب الذي أطلقه وزير الاقتصاد والصناعة من برلين يعكس تحولاً جوهرياً في إدارة الملف الاقتصادي، من منطق الإدارة الأمنية إلى التكامل الدولي. هذا التحول يتطلب إصلاحات مؤسسية عميقة، تشمل مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية في مجالات الملكية الفكرية، مكافحة غسل الأموال، والشفافية المالية، رغم العقوبات المفروضة.
ويبرز اختيار ألمانيا كشريك اقتصادي استراتيجي، نظراً لمكانتها كقوة اقتصادية أوروبية ونموذجها في اقتصاد السوق الاجتماعي، إضافة إلى دوافعها السياسية والإنسانية المتعلقة بملف اللاجئين السوريين. ألمانيا كانت تمثل قبل 2011 مصدراً هاماً للاستثمارات الأوروبية في سوريا، ويأمل في استعادة هذه العلاقة على أسس اقتصادية متينة بعيداً عن منطق المساعدات.
ويشير محمد إلى أن إعادة الإعمار ليست مجرد استبدال للأصول المادية، بل تتطلب بناء مؤسسات قوية تضمن استقراراً نقدياً عبر توحيد سعر الصرف، وحوكمة رشيدة لمكافحة الفساد، ووضع أطر تنظيمية وقانونية واضحة. هذه الركائز ضرورية لترسيخ الثقة الاقتصادية التي تراجعت بفعل التضخم وتعدد أسعار الصرف.
ويشدد على أن أي إنفاق رأسمالي دون هذه الأسس لن يحقق عائداً تنموياً، ما يجعل من الضروري جذب استثمارات ألمانية طويلة الأمد عبر تقديم ضمانات قانونية وحوافز تنافسية، تشمل مناطق صناعية خاصة وأسعار طاقة مشجعة، لتلبية متطلبات المستثمر الألماني المحافظ.
كما يبرز دور الجالية السورية في ألمانيا كعنصر فاعل يمكن تحويله من رأس مال بشري مهاجر إلى رأس مال استثماري يدعم الاقتصاد السوري، من خلال تحويلات مالية مستقرة ونقل المعرفة، شرط تسهيل إجراءات الاستثمار وضمان الأمن القانوني لهم. ويقترح محمد برامج تدريبية مشتركة تعتمد على نموذج التعليم المهني المزدوج الألماني لسد فجوة المهارات الناتجة عن الحرب، وتأهيل جيل قادر على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة والتحول الرقمي.
فيما يتعلق بقطاعات التعاون، يرى أن الصناعة والزراعة والطاقة واللوجستيات تمثل مجالات ذات ميزة نسبية لسوريا، مع ضرورة إعادة تشغيل المناطق الصناعية بتخصصات محددة والاستفادة من الخبرة الألمانية في الري الحديث والطاقة المتجددة لمواجهة نقص الموارد. الهدف هو الانتقال من تبادل تجاري تقليدي إلى شراكة متكاملة في سلاسل القيمة العالمية، عبر تصنيع وتجميع المكونات محلياً، ما يحسن الميزان التجاري ويعزز التنمية.
ويختم محمد بأن خطاب برلين يشكل خريطة طريق طموحة للانتقال من إدارة الندرة إلى هندسة التنمية، لكن تحقيق ذلك يتطلب تقدماً ملموساً في الملف السياسي لرفع العقوبات، تأمين المستثمرين، تأهيل رأس المال البشري، وتقديم نموذج اقتصادي تنافسي يدمج سوريا في الاقتصاد العالمي. يبقى التحدي الأكبر في التنفيذ وتحويل الرؤية إلى واقع على الأرض، لضمان شراكة استراتيجية حقيقية مع ألمانيا خلال السنوات المقبلة.
#سوريا #اقتصاد #برلين #إصلاحات #استثمار #تنمية #شراكة #ألمانيا






